في ظل الحرب في الشرق الأوسط، وحصار مضيق هرمز، وأزمة الطاقة التي تلت ذلك، تراجعت العوامل الأساسية "الكلاسيكية" إلى الخلفية. أصبح إيقاع التداول تحدده "تقارير الجبهة"، وليس البيانات الكلية الاقتصادية التي طغت عليها الجغرافيا السياسية.
ومع ذلك، فإن الأسبوع المقبل سيختلف عن الأسبوعين السابقين، إذ سنطّلع على مواقف البنوك المركزية الرئيسية المؤثرة في زوج اليورو/الدولار الأمريكي EUR/USD، أي Fed و ECB.
Federal Reserve (Fed)
يوم الأربعاء 18 مارس، سيختتم الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي اجتماعه الأخير. ووفقاً للتوقعات الأولية، سيُبقي البنك المركزي على جميع عناصر السياسة النقدية دون تغيير. احتمال تحقق هذا السيناريو يصل إلى 98% بحسب بيانات CME FedWatch، ما يعني أن «وقفة» مارس مسعَّرة بالكامل في الأسواق. لذلك سيتحوّل انتباه السوق من النتائج الشكلية للاجتماع إلى نبرة البيان المرافق، وتوقعات مخطط النقاط (dot plot)، وخطاب Jerome Powell.
وبما أن اجتماع مارس يُعقد على أساس ربع سنوي، فسيقوم Fed بتحديث توقعاته للاقتصاد الكلي بالإضافة إلى «مخطط النقاط» (توقعات أعضاء Fed لمسار أسعار الفائدة). يعتقد العديد من المحللين أن التوقع الوسطي سيتحوّل نحو مستوى 3.25–3.5%. وهذا يعني أن البنك المركزي يميل إلى إجراء جولة واحدة أو (بحد أقصى) جولتين من خفض الفائدة بحلول نهاية العام الجاري. سيتم تفسير مثل هذه النتيجة من قبل السوق بشكل واضح لصالح العملة الأمريكية، إذ كان السوق يتوقع سابقاً 2–3 عمليات خفض في عام 2026.
حالياً، تسعّر الأسواق احتمالاً نسبته 30% لخفض سعر الفائدة في يونيو. وإذا أشار مخطط النقاط إلى جولة واحدة فقط من الخفض حتى نهاية العام، فقد يتراجع هذا الاحتمال إلى الصفر، وفي هذه الحالة ستنتقل توقعات السوق إلى سبتمبر أو حتى ديسمبر.
وقد تُعدَّل توقعات التضخم صعوداً إلى 2.2%–2.4%، كما يمكن تعديل توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.8%.
من المرجح أن يحاول رئيس Fed Jerome Powell الموازنة في خطابه، إلا أنه سيكون من الصعب عليه تجنّب «الميل التشديدي». على الأرجح سيعيد التأكيد على رأيه بأن البنك المركزي «بحاجة إلى مزيد من الأدلة على تراجع مستدام للتضخم»، في ظل تسارع مؤشر PCE الأساسي وجمود مؤشر CPI (الإجمالي والأساسي معاً). ومن المرجح أيضاً أن يشدّد Powell على تصاعد عدم الاستقرار الجيوسياسي، وارتفاع أسعار الطاقة، وحالة عدم اليقين المحيطة بالتعريفات الجمركية الأمريكية.
جميع هذه الإشارات ذات الطابع التشديدي سيتم تفسيرها لصالح العملة الأمريكية.
ECB
سيُعقد اجتماع مارس للبنك المركزي الأوروبي ECB يوم الخميس 19 مارس. كما أن النتائج الشكلية لهذا الاجتماع محسومة سلفاً، إذ من المؤكد أن البنك المركزي سيُبقي على جميع عناصر السياسة النقدية دون تغيير.
تكمن حبكة اجتماع مارس الأساسية في تقييم الوضع الراهن. على ECB أن يوازن بين نمو اقتصادي هش من جهة، وصدمات خارجية من جهة أخرى قد تدفع التضخم إلى الأعلى وفي الوقت نفسه تُبطئ نمو الناتج المحلي الإجمالي.
على غرار Fed، سيقوم ECB بتحديث توقعاته للاقتصاد الكلي خلال اجتماع مارس. ونذكّر بأن مؤشر CPI العام في منطقة اليورو كان قد تعافى في فبراير من قاع يناير البالغ 1.7%، وتسارع قليلاً إلى 1.9% نتيجة ارتفاع أسعار الخدمات. وفي التوقعات المحدَّثة، من المرجح أن يحذر المنظِّم من أن التضخم سيواصل إظهار زخم صعودي على خلفية ارتفاع أسعار الطاقة. كما يُتوقع أيضاً خفض في توقعات نمو الاقتصاد، مجدداً بسبب أزمة الطاقة وضعف الصادرات وحالة عدم اليقين المتصلة بالتعريفات الجمركية الأمريكية.
مع ذلك، ورغم التطورات الجيوسياسية المتواصلة، من المرجح أن يتبنى ECB موقفاً «حيادياً» أكثر منه تشديدياً. فمع إقراره بالمخاطر التضخمية، قد تؤكد Christine Lagarde أن البنك سيتصرف بحذر ولن يتفاعل مع القفزات القصيرة الأجل في أسعار النفط. هذا يعني أن القرارات ستُتخذ «من اجتماع إلى اجتماع» استناداً إلى البيانات الواردة.
مثل هذا السيناريو لا يصب في مصلحة اليورو. وسيوفر ECB دعماً للعملة الأوروبية فقط إذا سمح باحتمال رفع أسعار الفائدة في المستقبل القريب (خلال الصيف)، إلا أن هذا السيناريو يُعد غير مرجح.
PPI و ZEW
على الرغم من أن التقارير الاقتصادية الكلية تطغى عليها حالياً العوامل الجيوسياسية، فإن بعض الإصدارات لا تزال قادرة على التأثير في زوج EUR/USD.
يوم الثلاثاء، ستُنشر مؤشرات ZEW. وكما هو معلوم، فإنها من أكثر المؤشرات القيادية تأثيراً على اقتصادَي ألمانيا ومنطقة اليورو. وعلى عكس مؤشر IFO الذي يستطلع آراء قيادات الأعمال، يعكس مؤشر ZEW توقعات المحللين، أي المجتمع المالي.
وبحسب التوقعات الأولية، يُنتظر أن ينخفض مؤشر مناخ الأعمال في ألمانيا بشكل حاد في مارس إلى 39.5 مقارنة بالقراءة السابقة البالغة 58.3. كما يُتوقع أن يتراجع مؤشر التقييم الحالي من -65.9 إلى -80. وقد يُخيّب مؤشر ثقة الأعمال الأوسع نطاقاً في أوروبا الصادر عن معهد ZEW الآمال أيضاً، مع هبوط محتمل من 39.4 إلى 24.3.
بعبارة أخرى، قد يتعرض اليورو لضغوط حتى إذا صدرت القراءة وفقاً للتوقعات. أما إذا جاء الإصدار في المنطقة السلبية، فسيحصل بائعو EUR/USD على مبررات إضافية لمواصلة تعزيز الاتجاه الهابط.
في اليوم التالي، أي الأربعاء، سيُنشَر في الولايات المتحدة أحد أهم مؤشرات التضخم وهو مؤشر أسعار المنتجين PPI. في يناير تباطأ PPI العام قليلاً إلى 2.9% على أساس سنوي، إلا أن الخبراء يتوقعون تسارعه في فبراير إلى 3.1%. كما يُنتظر ارتفاع المؤشر الأساسي إلى 3.8% على أساس سنوي (وهو أعلى مستوى منذ يناير 2025) بعد الزيادة السريعة في الشهر السابق.
مثل هذه النتيجة ستقدم دعماً إضافياً للدولار الأمريكي.
وعليه، يحتفظ زوج EUR/USD بإمكانية مواصلة الهبوط حتى من دون احتساب العوامل الجيوسياسية. كما تدعم الصورة الفنية هذا السيناريو. ففي جميع الأطر الزمنية الكبرى (باستثناء الشهري)، يتحرك الزوج عند الخط السفلي لمؤشر Bollinger Bands. وعلى الرسوم البيانية للأربع ساعات واليومي، شكّل مؤشر Ichimoku إشارة هبوطية «Parade of Lines» تشير إلى أولوية المراكز البيعية. وينبغي استغلال التصحيحات الصعودية كفرص لفتح صفقات بيع مع استهداف المستويات 1.1410 و1.1350.